رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني

54

الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )

ومن سياق هذين الحديثين يستفاد أنّ ذكر « فاستعلى » بعد « علا » لبيان كمال العلوّ ، فيكون مبنيّاً على أنّ زيادة المباني لزيادة المعاني ، والفاء للتعقيب ، كأنّه قيل : « ارتفع » ، ثمّ بالغ في الارتفاع . ويؤيّد ذلك كلام صاحب القاموس حيث قال : « علا النهار : ارتفع ، كاعتلى واستعلى » . « 1 » قوله : ( الذي لا بَدْءَ لأوّليّته - إلى قوله - : وبحكمته أظْهَرَ حُجَجَه على خَلْقِه ) . البدء - بالهمزة وفتح الباء وسكون الدال - مصدر بدأت به ، كما في الصحاح « 2 » ، والمراد هنا الحاصل بالمصدر ، وكلّ موجود ليس موجوداً بذاته لذاته فهو موجود بغيرٍ ليس هو في مرتبة ذلك الغير ، فهو إذن حادث ؛ إذ وجوده بعد تلك المرتبة ، ومسبوق بعدمه في المرتبة ، فإذا اطلق على هذا الموجود بالغير « أوّلٌ » فإنّما أوّليّته بالقياس إلى ما بعده ، لا على الإطلاق ، وأوّليّة ذلك الغير قبل أوّليّته ، بخلاف الموجود لذاته ، فإنّ أوّليّته لابدء لها . قوله : ( ولا غايةَ لأزليّته ) . الأزل في الأوهام العاميّة هو أقاصي الامتداد الزماني في جانب الماضي ، ولا محيص له من علّة ، فله غاية بَتَّةَ ، والمقصود أنّ أزليّته ليست بالمعنى المفهوم للعامّة ؛ ولذلك انتفى عنها لازمه . وفي كتاب عيون الأخبار في باب ما جاء عن الرضا عليه السلام في أمر التوحيد عن أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة طويلة : « تحيّرت العقول عن إحاطة ذكر أزليّته » . « 3 » وفي توحيد الصدوق رضي الله عنه في خطبة أمير المؤمنين عليه السلام : « إن قيل : كان ، فعلى تأويل أزليّة الوجود ، وإن قيل : لم يزل ، فعلى تأويل نفي العدم » . « 4 »

--> ( 1 ) . القاموس المحيط ، ج 2 ، ص 1722 ( علو ) . ( 2 ) . الصحاح ، ج 1 ، ص 35 ( بدأ ) . ( 3 ) . عيون أخبار الرضا ، ج 1 ، ص 121 ، ح 15 ؛ التوحيد للصدوق ، ص 69 ، ح 26 ، وفيهما : « تحيّرت الأوهام » بدل « تحيّرت العقول » . ( 4 ) . التوحيد للصدوق ، ص 72 ، ح 27 . وهو في الكافي ، ج 8 ، ص 18 ، ح 4 .